عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي
40
دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )
والواقع أنّ تطور المجتمع في منتصف القرن الثاني بعد قيام السلطة العباسية وإغراقه في المظاهر المادية يمكن أن نتصوره في حياة الخلفاء العباسيين أنفسهم إذ بدأت حركة بناء القصور المجلّلة منذ خلافة المنصور خاصّةً بعدما بنى مدينة بغداد لأنّ الثروة تدفّقت إليها من كلّ جانب وامتلأت قصور الخلفاء والأمراء والوزراء وكبار رجال الدولة بالمغنّين والموسيقيين و « كانت مجالس الخلفاء العباسيين تزدان بمظاهر البذخ والروعة والبهاء ، فيتّخذ الخليفة مكانه في صدر الإيوان في القصر ، وبين يديه مائة من صفوة الحرس في أثوابٍ زاهية ، ويقف حوله يمنةً ويسرةً كبار رجال الدولة والأعيان » « 1 » وكان الخليفة الواثق يجيد الغناء إجادةً تامّة لم يسبقه خليفة ، وقد وضع بعض الأصوات والأنغام الجديدة . يقول صاحب تاريخ الخلفاء : « كان ] الواثق [ أعلم الخلفاء بالغناء ، وله أصوات وألحان عملها نحو مائة صوت ، وكان حاذقاً بضرب العود ورواية الأشعار والأخبار » . « 2 » لا بِدْع إذا قلنا إنّ ظاهرة اللهو والترف كانت من ميزات العصر الهامّة حتّى أنّهم كانوا ينفقون الأموال الكثيرة في هذا السبيل ، ولم يكن هذا إلّا لإشباع رغبات النّفس وإرضاء دواعي اللهو واللّذة ، فلا عجب أن أفرطوا في طعامهم وحفلاتهم إفراطاً شديداً حتّى أنّ حفل الرشيد بزواج زبيدة بنت جعفر أصبح مضرب الأمثال لكثرة البذخ فيه . في هذا العصر انتشر الرقيق بأجناسه المختلفة انتشاراً عظيماً على أثر الفتوحات الواسعة التي قام بها المسلمون في مختلف أقطار الدنيا ، وهؤلاء كانوا « يكوّنون طبقة كبيرة من طبقات المجتمع العباسي في العصر العباسي الأول ، إذ كان اتّخاذ الرقيق منتشراً انتشاراً كبيراً ، وكانت سمرقند التي كانت تعدّ من أكبر أسواق الرقيق بيئة صالحة جدّاً لتربية الرقيق المجلوب من بلاد ما وراء النهر ، إذ كان أهلها يتّخذون ذلك صناعةً لهم يعيشون منها » . « 3 »
--> ( 1 ) - أمير علي ، سيد . مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي ، ترجمة : رياض رأفت ، مكتبة صقلية العربية ، القاهرة ، 1938 م ، ص 387 . ( 2 ) - السيوطي ، ص 387 . ( 3 ) - إبراهيم حسن ، ص 325 .